التوريث

كتبهاchikh achrati ، في 7 نوفمبر 2009 الساعة: 17:12 م

 

 

التوريث بين الديموقراطية  و الـ"أس أم"

الذي حصل، بداية 99، هو أننا حمّلنا الرجل آمالا أكبر من شخصه….. فمولانا، أبقاه الله لآله و صحبه، كان معروفا ضمن زمرة بومدين بكونه أكثرهم ليبيرالية… و هذه الشائعة جعلت الناس يطمعون في أن يفتح الرجل "اللعب" شوية: كنا ننتظر، و قد أتى أثناء حكم "الرند"، الحزب المؤسِس للفساد كمنهج و كنظام حكم…  كنا نتوقع مكنسة في حجم التردي الذي وصلت إليه البلاد.

و لأن صبرنا كان أكبر، فقد تغاضينا على مخاطبته لنا بلغة أعدائنا، (صيف 99)، و فسّـرنا إلحاحه على كسب ودّ فرنسا، ( بالمنظومة التربوية و باستوزار خليدة)، و استدرار حنوّ اليهود، (نياشين روجي حنين و دعوة ماصياص)، على أنه يفعل ما يفعله كل من أراد فتح خزائن القروض و استعطاف حكام العالم. حتى  تقريب بلخادم، في الخارجية، قلنا إنه رسالة إلى أوروبا و الغرب الذين  واصلوا حصار الجزائر، بأن "هددهم" بالتوجه شرقا و إسلاميا…

 و راح حمَلة مباخر السلطان يرتبون على أكتافنا، و قد ضقنا ذرعا بالانتظار، بأن مولانا يحضر خبطة لا تدع و لا تذر…و انتظرنا السنة و أختها، و راحت العهدة و "بنت عمها" و لا شيء، لا شيء غير استفحال الرشوة و دمقرطة الفساد و تعميمه.

مع أن مطلبنا لم يكن يوما بأن يأتي "عفريت سيدنا سليمان" يحوّل التراب إلى تبر… نحن كنا نقدر عظمة الخطب الذي كنا نعانيه…و لم نتوقع شيئا غير مكنزمات بسيطة تعيد الحياة الديموقراطية إلى أول الطريق الذي كانت عليه. كنا نوَدّ فقط أن يُمكّن "سي عبدالقادر المالي" الجزائرَ من إدخال الرِّجل الأولى في الركاب. و العملية كانت في الأول سهلة و بسيطة: سهلة لأن الشعب كان متعطشا لأن يتلقف أي مشروع يعيد له الأمل؛ و بسيطة لأننا لم نطلب من بوتفليقه تجبين الماء أو  اختراع العجلة: فالعجلة كانت موجودة: المنتظـَـر كان إعادة البدء في استحداث المؤسسات: مؤسسات القضاء و التشريع و التنفيذ.

مؤسسات تتكامل في مساعدة بعضها لإيصال الديموقراطية الفتية، تلك التي تردع الباغي و تحمي الضعيف.

لكن الرجل لم تكن هذه أولوياته: فالرجل شبّ على أن كل هذه المؤسسات ما هي، في النهاية، غير ترف برجوازيين غربيين تصلح عندهم… السيد تربّى على أن الوضع الوطني العام لا تعطيه الصحف أو ينبّه إليه البرلمان. لذلك تكلم، منذ البداية، عن الصحافة بذلك الاستهجان المشهور. و لذلك أبقى على برلمان "الرند" الناقص الشرعية و المطعون في قانونيته. فالرجل يعوّل على مؤسسة أخرى: مؤسسة أكثر فاعلية و نفاذ، مؤسسة تعطيه النبض الحقيقي للشارع و تؤمّن توصيل تعليمات مولانا و التحقق من تنفيذها. مؤسسة أثبتت فعاليتها منذ أيام الثورة مع "المالق" و بعدها مع الـ"أس أم".

تذكرون الكنسة الكبيرة التي أحدثها، بداية عهدته الأولى،  في سلك الولاة: فقد طرح أرضا، و بكثير من التشفي، ستة عشر واليا، منهم من ألمح إلى إمكانية متابعته… لكنه اضطر لاحقا إلى تدارك قراراته و أرغِم على  إعادة رُبعهم إلى وظائفهم. و حتى عندما أوقف التعيينات الجديدة في سلك القضاء، لم تثمر تلك التعطيلات عن شيء يذكر. فالرجل، و قد أتى بكولونيل سابق في المخابرات العسكرية لينصبه في الداخلية، نسي أن الجهاز الذي "رباه قاصدي مرباح على يده" و دلّـله بومدين و رعاه، نسي أن هذا الجهاز كان الشادلي قد أجهز عليه، منذ التنكيل ببومدين و شيعته من قبل عبدالحميد الإبراهيمي، (صيف 80).

الشادلي بن جديد الذي تفطن لاحقا أنه قام بجريمة الإ جهاز على  الـ"أس أم".. فقد اتضح، أيام أكتوبر 88، أن الأجهزة كانت "متلهية" ببعضها؛ فكانت أن نكلت أسلاك الأمن بالشيوعيين ظنا منها أنهم مبعث "شغب الأطفال" الذي حدث. 

بقايا هذا الجهاز، أو المهيكَل منه، هو الذي عوّل عليه بوتفليقه لكي يحكم الجزائر به. مولانا، و قد كررها مرارا في أيام عهدته الأولى، يزعم أنه عليم بكل شيء… يعتقد، لسذاجته، أن الـbrq ، الذي يطّلع عليه كل يوم هو شبيه بالـbrq الذي كان بومدين "يفطر" به كل صباح.

الرجل سكن قوقعة صنعها له محيطه، كالتي يقال إن بورقيبه عاش فيها أواخر أيامه: مكتب في قصر قرطاج، به عسس و خدم، فيه يستقبل و يأمر و يقيل و يعيّن.

الاستخبارات مؤسسة لا بد منها في أي دولة تغار على استقلالها. توكل إليها صعاب الأمور للتدقيق و التأكد، و التحري المفضي إلى مساعدة المؤسسات الأخرى… لا أن تُسخر لاستقصاء محتويات فراش خصم أو ترتيب قائمة انتخابية. مخابراتنا، التي كانت فخر الجزائر،هي التي رافقت أعداءنا في الطائرة التي أسقطت الأسلحة في "كاب سيقلي" و بومدين يحتضر…و هي التي عضدت و أمدت الوزير بوتفليقه بالذخيرة التي مكنت من ربح معركة البترول، سنة 71.

و الأمر ليس بالهيّن: "يحسن العوْن": فليس من السهل بأن يعطيك الرجل الموسي التي بها تذبحه، (و الكلام للسيد الرئيس). الديموقراطية نوع من الحكم لا يحبه أصحاب السلطة في أي بقعة من العالم… حتى في أوروبا و الغرب، الحكام يكرهونها: فهي التي أسقطت "نيكسون"، عام 74، و هي التي خذلت أقوى رجل في فرنسا، "صاركوزي"، و جعلته يُرجئ إركاب ابنه، و لولا بقاياها في إيطاليا لتملـّــك "بارسكوني" و تقـيْـصر.

الديموقراطية، تلك التي تضفي الشفافية على صرف المال العام، لا يحبها البشر، أيّا كان.. هي "الإيثار على النفس"…و الإيثار على النفس خصلة من خصال الصحابة، رفاق الأنبياء. و نحن لغبائنا انتظرنا أن يتصف السلطان بهذه النعوت، و بوتفليقه إنسان.. صحيح أننا نسينا أنه إنسان فقط. لكنه، هو الآخر، و لفرط المديح الذي يُكال له يوميا، اقتنع أنه بشر "زايد شوية" !!

مشكلتنا ليست في أن الرئيس يحضّر صنوَه لخلافته…مصيبتنا هي أنه لم يمكنّا، عبر مؤسسات شفافة، من الاختيار الحر و النزيه و البعيد عن أي إكراه…يمكننا من اختيار السعيد بوتفليقه و التأكد من أنه الأكفأ و الأجدر بركوب ظهرنا. … على خاطر، إذا تأكد فخامته أن السعيد بوتفليقه لا يختلف عن "راؤول كاسترو" و لا عن "بشار الأسد" و "جمال مبارك" و "سيف الإسلام القذافي" و "علي بانغو"؛ فإن المؤكد أن سكان الجزائر يختلفون عن الكوبيين و  السوريين و  المصريين و الليبيين و الغابونيين مجتمعين.

الظاهر أن الـ brq الذي يفطر به مولانا مازال يقول له بأن الانتفاضات التي بدأت في القبائل و لن تنتهي في "ديار الشمس" هي مجرد مسلسل اسمه "شغب أطفال".

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر